رئيس التحرير
محمود عبد الحليم
رئيس التحرير التنفيذي
فريد علي
ads

الرئيس السيسي في مقال لـ الأهرام عن زيارة نظيره الصيني لمصر: حققت الشراكة الاستراتيجية الشاملة طفرة فى العلاقات الثنائية

الثلاثاء 01/سبتمبر/2026 - 12:58 ص
الحياة اليوم
إيمان سعيد
طباعة
كتب الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية مقالا في جريدة الأهرام بمناسبة احتفال العلاقات المصرية - الصينية وزيارة الرئيس الصيني لمصر خلال أيام وجاء نص المقال:

نحتفل هذا العام بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الصين الشعبية، حيث كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين في عام 1956، امتدادًا لروابط حضارية وتاريخية بين أمتين تضربان بجذورهما في أعماق التاريخ. وإذ نحتفل بهذه الذكرى الخاصة بين بلدينا الصديقين، فإننا نحتفى بزيارة الرئيس الصينى «شي جينبينج» إلى مصر، ضيفًا عزيزًا.

لقد تواصلت مصر والصين على مدى الحقب التاريخية المختلفة عبر جسور من الصداقة تصل نهر النيل الخالد منبع الحضارة المصرية وشريان الحياة للمصريين، بنهر اليانجتسي العظيم باعتباره مهد الحضارة الصينية القديمة ومصدر الحكمة والفلسفة الصينية، حيث أسهمت الحضارتان بما قدمتاه من علوم ومعرفة في نهضة الأمم وتطور البشرية في طريق يصل ما بين الأهرامات وسور الصين العظيم، بما في ذلك ما قدمته الحضارة المصرية من إسهامات جليلة في علوم الطب والهندسة والفلك، وما أسهمت به الحضارة الصينية من ابتكارات متطورة سابقة لعصرها، اعتمد عليها علماء الحداثة في القرون الأخيرة، وصولاً إلى الثورة الصناعية والتكنولوجية وما حققته من إنجازات غير مسبوقة، وأنه لولا ما قدمته الحضارتان من معرفة تراكمية، لما توصل العالم إلى هذه المرحلة المتقدمة من تطور هائل في كافة المجالات، وهو ما يؤكد حق مصر والصين في مشاركة التكنولوجيا الحديثة على نحو عادل يحقق التنمية الشاملة لشعبي البلدين وللأمم ويسهم في تطور الحضارة الإنسانية.

ارتبط البلدان بطريق تجارى تاريخي ساهم فى انتقال البشر والسلع وامتد من طريق الحرير الصينى إلى البحر الأحمر وقناة السويس المصرية باعتبارها شريان الحياة للتجارة العالمية، امتدت على طريقه البعثات والقوافل التجارية من السواحل الصينية والآسيوية إلى الموانئ المصرية على البحرين الأحمر والمتوسط، والتى استمرت فى دورها التاريخى حتى وقتنا المعاصر كرابط لا بديل عنه بين الشرق والغرب، وكانت الموانئ المصرية أكبر مركز تجارى لتبادل السلع بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وانتقلت عبر هذا الطريق الحيوى ثقافات الشعبين وأفكارهما فعززت من تلك الروابط التاريخية بين الشعبين المصرى والصينى وشكلت نواة لقواسم مشتركة بينهما تأسست عليها قرون من العلاقات الشعبية والتجارية والثقافية الممتدة، تلك التى تكللت بتدشين العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا منذ سبعة عقود فى لحظة تاريخية كانت نقطة فاصلة فى تطور علاقات البلدين وازدهارها.

لقد كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، فى لحظة فارقة عبرت فيها مصر عن دعمها لحرية الشعوب فى اختيار نظامها السياسى والاقتصادى بكل حرية، وفتحت مصر بذلك الطريق أمام علاقات عربية وإفريقية مع الصين تطورت وازدهرت على مدار الأعوام وصولاً إلى إطلاق المنتدى العربي-الصيني، والمنتدى الإفريقي-الصيني، حيث تمسكت مصر على الدوام بمبدأ الصين الواحدة ورفضت التدخل فى الشئون الداخلية للصين، وساندت استعادة الصين مقعدها الدائم بمجلس الأمن، كما أيدت الصين الحقوق العربية وحق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة، تلك المواقف التاريخية التى لا تنسي، وتظل عالقة فى ذاكرة الأمتين كعلامات مضيئة يسترجعها الشعبان سويًا مع احتفالهما بهذه الذكرى العزيزة لتمثل أساسًا للتضامن بين الشعبين ومنطلقًا لمزيد من التعاضد والتآزر.

وقد تطورت علاقات مصر والصين على مدار سبعة عقود مضت على نحو ملموس وصولًا إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين فى عام 2014، فى أول زيارة رسمية لى إلى جمهورية الصين الشعبية، حيث كانت مصر حريصة على الدفع فى تلك المرحلة الفارقة بعلاقات ممتدة وواسعة مع كافة دول العالم، وتنويع سياستها الخارجية ومد أياديها لكل الأصدقاء لبناء شراكات أوسع وأعمق مع كافة دول العالم الحريصة على تعزيز علاقاتها مع مصر على أساس من الاحترام المتبادل والتضامن والمنفعة المتبادلة، وبذل الجهود لدفع التطوير المشترك للبنية التحتية والاستثمارات والتجارة والتصنيع ونقل التكنولوجيا، وكانت الصين من الدول الأولى التى أبرزت حرصها على توطيد العلاقات مع مصر على أساس تلك المبادئ الراسخة، والتى مثلت الأساس المتين لعلاقات ممتدة وطويلة تمكنت من تحقيق المنفعة للشعبين والحفاظ على مصالح البلدين.

بناء على ما تقدم، حققت الشراكة الاستراتيجية الشاملة التى أرساها البلدان طفرة فى العلاقات الثنائية، حيث أصبحت الصين شريكًا تجاريًا واقتصاديًا رئيسيًا لمصر وتزايد حجم الاستثمارات الصينية المباشرة، بما فى ذلك بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتى وفرت فرصًا جمة للمستثمرين الصينيين لتحقيق الأرباح والاستفادة من المزايا الكبيرة التى توفرها المنطقة للمستثمرين الأجانب، والتى تتوافر بها مناطق صناعية تضم العديد من المصانع العالمية من كافة الدول المختلفة الساعية للاستفادة من هذه الفرص، والموقع الجغرافى لمصر فى قلب العالم كحلقة وصل أساسية بين الشرق والغرب. كما أسهمت الشركات الصينية فى العديد من المشروعات القومية الكبرى مثل بناء حى المال والأعمال بالعاصمة الجديدة وتدشين القطار الكهربائى للعاشر من رمضان، وبناء محطات الطاقة المتجددة وتطوير الموانئ، وغيرها من مشروعات كانت ضمن خطط الدولة القومية لتحسين البنية التحتية والتى تعاونت بشأنها مع عدد من الدول المختلفة من بينها الصين، وبما أسهم فى انتقال مصر إلى مرتبة عالية فى مجال البنية التحتية على المستوى العالمي، وبما يعد أحد العناصر المهمة فى تأسيس بنية متطورة لقاعدة صناعية متكاملة، وتحويل مصر إلى مركز لوجستى عالمى للصناعة والتجارة والخدمات.

إن هذا التطور الكبير الذى حققته مصر فى تعزيز بنيتها التحتية جعلها وجهة هامة لتدشين استثمارات صناعية كبيرة من كافة دول العالم، وكانت الصين من الدول الحريصة على تدشين صناعات لها فى مصر، والاستفادة مما تتيحه من مزايا هامة فى هذا المجال، حيث تتفق مصر مع الصين على ضرورة الاستفادة من الربط بين استراتيجية الدولة المصرية لتوطين الصناعة، واستراتيجية الصين للتنمية عالية الجودة، ومن ثم جذب مزيد من الصناعات الصينية إلى مصر، بما فى ذلك فى مجال السيارات الكهربائية وبطاريات التخزين والطاقة المتجددة والأجهزة الإلكترونية ومكونات محطات تحلية مياه البحر وبناء السفن وغيرها، فضلًا عن تعزيز نقل التكنولوجيا فى مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعى وعلوم الفضاء باعتبارها أولويات للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية ومسارات التعاون المصري-الصينى فى المرحلة المقبلة.

لقد مثّلت التجربة التنموية الصينية وقدرتها على تحقيق التقدم الاقتصادى والقضاء على الفقر المُدقع مصدرًا لإلهام للدول النامية الساعية لتحقيق حلمها فى التحديث والتطور، حيث تنظر مصر بإيجابية إلى هذه التجربة، وتؤمن فى نفس الوقت بأن دول العالم النامى لديها فرصة هائلة للانطلاق نحو الأمام وتحقيق نهضة اقتصادية وفقًا للنموذج التنموى الذي يلائمها ويتماشى مع ظروفها التاريخية والثقافية، ومن المهم الإشارة فى هذا السياق إلى ضرورة تهيئة المناخ الملائم على المستوى الدولى الذي يمكن تلك الدول من بلوغ هذا الهدف المنشود.

ومن هذا المنطلق، اضطلعت مصر بدورها الإقليمى والدولى على مدار العقود الماضية وتمسكت بمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولى والنظام الدولى القائم على القواعد، وحرصت على الإسهام فى دعم المنظمات الدولية للقيام بدورها الأصيل فى حماية الأمن والسلم الدوليين، وساهمت بدور ملموس فى عمليات حفظ السلام وبناء السلام. وشاركت مع كافة أطراف المجتمع الدولى جهود تعزيز دور المنظمات الاقتصادية العالمية لتحقيق التنمية العالمية الشاملة والدفع بالأهداف الإنمائية للأمم المتحدة. 

ولقد تمسكت مصر بموقفها الداعم لتعزيز صوت الجنوب العالمى وزيادة تمثيله فى المؤسسات الدولية، على نحو يراعى حق هذه الدول فى التعبير عن إراداتها ومراعاة شواغلها، وحرصت مصر على الانضمام للعديد من المؤسسات الناشئة وانضمت لتجمع البريكس فى عام 2024 وكذا بنك التنمية الجديد التابع له، والبنك الآسيوى للاستثمار فى البنية التحتية، كما انضمت كشريك حوار لمنظمة شنغهاى للتعاون، من منطلق حرصها على تعزيز حوار الجنوب-الجنوب والانفتاح على شراكات واسعة ومتنوعة مع كافة دول العالم، وأنتهز هذه الفرصة لتهنئة الصين على تولى رئاسة البريكس العام المقبل، وتتطلع مصر للتنسيق والتشاور معها فى هذا الإطار.

وقد تمسكت مصر بسياسة الاتزان الاستراتيجى كوجهة للسياسة الخارجية المصرية فى وقت تتعالى فيه موجات الاستقطاب والتنافس، مؤكدةً على سياستها الخارجية المستقلة، وداعيةً لتنسيق جهود المجتمع الدولى للتغلب على التحديات العالمية التى باتت تهدد العالم بأسره. ولقد أصبحت مصر والصين شريكان يسهمان سويًا فى تعزيز دور الجنوب العالمى فى النظام العالمى وبما يحقق مزيدًا من العدل والإنصاف للدول النامية.

ومن نفس هذا المنظور، بذلت مصر جهدًا دبلوماسيًا حثيثًا من أجل تهدئة الأوضاع فى منطقة الشرق الأوسط، ومنع تصعيد الصراع واتساع رقعته، حيث باتت المنطقة تمر بمرحلة خطيرة من الصراعات التى تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، بل تهدد السلم والأمن الدوليين، وتتفق مصر والصين فى هذا السياق على ضرورة حل الصراعات بالوسائل السلمية ومراعاة الشواغل الأمنية لكافة الأطراف واحترام سيادة الدول كأساس للتسوية السلمية للصراعات، وأنه ليس من مصلحة أى أطراف إقليمية أو دولية اتساع رقعة الصراع وتأجيج النزاع المسلح.

وبالمثل، كان نهر النيل أساس الحضارة المصرية ومصدرًا حيويًا لازدهارها عبر التاريخ. وقد استفادت مصر ودول حوض النيل الأخرى من النيل لآلاف السنين، حيث مثّلت مياهه موردًا مشتركًا وأساسًا للحياة والتنمية ورفاهية الإنسان. وعلى مرّ تاريخها، التزمت مصر بدعم تنمية دول حوض النيل، لا سيما فى مجالات تنمية الموارد المائية وبناء السدود، بما فى ذلك فى السودان وأوغندا، ومؤخرًا، من خلال مساهمتها فى مشروع جوليوس نيريرى الضخم للطاقة الكهرومائية فى تنزانيا.

وستبقى مصر ثابتة فى الدعوة إلى التعاون العابر للحدود وفقًا لمبادئ وقواعد القانون الدولي، بدلًا من النهج الأحادى الذى يُلحق الضرر بدول المصب. وتؤمن مصر إيمانًا راسخًا بأن الإدارة المستدامة للموارد المائية المشتركة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال الإخطار المسبق والتشاور والتوافق بين الدول المتشاطئة.

وفى هذا الصدد، تُقدّر مصر بشدة موقف الصين، الذى أكد اعترافها بالأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر باعتباره شريان الحياة الرئيسى لها، وتجدد أهمية الامتناع عن اتخاذ تدابير أحادية الجانب وتعزيز التعاون بحسن نية لتحقيق المنفعة المتبادلة والتعاون المربح للجميع.

إننا كما سطرنا على مدار الأعوام الماضية صفحات من التعاون والصداقة بين بلدينا الصديقين، فإننا نتطلع لأن نكتب معاً فصلًا جديدًا من فصول الصداقة المصرية-الصينية التى امتدت لآلاف السنوات، متطلعين لعقود جديدة من التطور والازدهار لشعبينا الصديقين، ومتمنين للعالم مزيداً من الاستقرار والأمن والتنمية.
                                           
ads
ads